أحمد بن محمد المقري التلمساني

4

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

عاطيته حمراء ممزوجة * كأنها تعصر من وجنتيه وخرج من بلنسية يوما إلى منية الوزير الأجلّ أبي بكر ابن عبد العزيز ، وهي من أبدع منازل الدنيا ، وقد مدّت عليها أدواحها الأفيا ، وأهدت إليها أزهارها العرف والرّيّا ، والنهر قد غصّ بمائه ، والروض قد خصّ بمثل أنجم سمائه ، وكانت لبني عبد العزيز فيها أطراب ، تهيّأ لهم فيها من الأيام آراب ، فلبسوا فيها الأنس « 1 » حتى أبلوه ، ونشروا فيها الحظ « 2 » وطووه ، أيام كانوا بذلك الأفق طلوعا ، لم تضمّ عليهم النّوب ضلوعا ، فقعد أبو عبد اللّه مع لمّة من الأدباء تحت دوحة من أدواحها ، فهبّت ريح أنس من أرواحها ، سطت بإعصارها ، وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها ، فقال : [ مخلع البسيط ] ودوحة قد علت سماء * تطلع أزهارها نجوما هفا نسيم الصّبا عليها * فأرسلت فوقنا رجوما كأنما الجوّ غار لمّا * بدت فأغرى بها النسيما وكان في زمان عطلته ، ووقت اصفراره وعلّته ، ومقاساته من العيش أنكده ، ومن التخوّف أجهده ، كثيرا ما ينشرح بجزيرة شقر ويستريح ، ويستطيب هبوب « 3 » تلك الريح ، ويجول في أجارع واديها ، وينتقل من نواديها إلى بواديها ، فإنها صحيحة الهواء ، قليلة الأدواء ، خضلة العشب والأزاهر ، قد أحاط بها نهرها كما تحيط بالمعاصم الأساور ، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفحيه ، والروض قد عطّر جوانبه بريحه ، وأبو إسحاق ابن خفاجة هو كان منزع نفسه ، ومصرع أنسه ، نفح له بالمنى عبق وشذا ، ومسح عن عيونه مسرّاته القذى ، وغدا على ما كان وراح ، وجرى متهافتا في ميدان ذلك المراح ، قريب عهد بالفطام ، ودهره ينقاد في خطام ، فلمّا اشتعل رأسه شيبا ، وزرّت عليه الكهولة جيبا ، أقصر عن تلك الهنات ، واستيقظ من تلك السّنات ، وشبّ عن ذلك الطّوق ، وأقصر عن الهوى والشوق ، وقنع بأدنى تحيّة ، وما يشعره في وصف تلك العهاد من أريحيّه ، فقال : [ الطويل ] ألا خلّياني والأسى والقوافيا * أردّدها شجوا وأجهش باكيا « 4 »

--> ( 1 ) في ب : « فلبسوا فيها الأشر . . » . ( 2 ) في ب : « ونشروا فيها الأنس وطووه » وفي ه : « ونشروا فيها السرور وطووه » . ( 3 ) كلمة « هبوب » ساقطة من ب . ( 4 ) في ب ، ج : « أرددها شجوي » . والشجو : الحزن والهم . وأجهش باكيا : بكى بصوت عال .